محمد بن سلام الجمحي

398

طبقات فحول الشعراء

لقد قادنى من حبّ ماويّة الهوى ، * وما كنت ألقى للجنيبة أقودا " 1 " أحبّ ثرى نجد ، وبالغور حاجة ، * فغار الهوى ، يا عبد قيس ، وأنجدا " 2 " أقول له : يا عبد قيس ، صبابة ، * بأىّ ترى مستوقد النّار أوقدا ؟ " 3 " فقال : أراها أرّثت بوقودها * بحيث استفاض الجزع شيحا وغرقدا " 4 " فأعجبت النّاس وتناشدوها . 538 - فحدثني جابر بن جندل قال : فقال [ لنا ] جرير : أعجبتكم هذه الأبيات ؟ قالوا : نعم ! قال : كأنّكم بالقين قد قال :

--> ( 1 ) ديوانه : 184 ، 185 ( 848 - 850 ) ، والنقائض : 479 وما بعدها ، والمراجع السالفة . ورواية أخرى " وما كنت تلقاني الجنيبة " ، وأخرى " وما كان يلقاني . . . " . وفي " م " " للحبيبة " ، وفي شرح شواهد المغنى " إلفا للحبيبة " ، وهما خطأ . الجنيبة : الدابة تشد إلى جنب أخرى ، وجنب الفرس والأسير جنبا ( بفتحتين ) فهو مجنوب وجنيب : قاده إلى جنبه . وأرى أن جريرا استعمل " الجنيبة " بمعنى المصدر ، كالفضيلة والوقيعة والشبيبة . والأقود : الذليل المنقاد . ويقول : أطعت الهوى وانقدت له ، ولم أكن قبل ممن يذل وينقاد ويقهر لمن أراد أن يقودني بقياد . ويقال : فرس طوع الجنب ، وطوع الجناب ( بكسر الجيم ) : إذا كان سهلا سلس القياد مطواعا لقائده وراكبه . ( 2 ) الغور : ما انخفض من الأرض ، خلاف النجد . وعنى تهامة لانخفاضها . وعبد قيس : رجل من بنى عدى بن جندب بن العنبر ( النقائض : 491 ) ، وأظنه كان دليلا ، كما يظهر من شعره وشعر الفرزدق . وغار : نزل الغور . وأنجد : أتى نجدا . وهذا البيت ينبغي أن يكون آخر بيت فيما رواه ابن سلام ، لتمام المعنى به . ( 3 ) يسأله من فرط الصبابة والحنين إلى ماوية . وقوله " بأي " ، يعنى بأي مكان ترى نارها موقدة ، حتى نؤمها ونوجه إليها ركابنا ؟ ويجئ الجواب في البيت التالي . ( 4 ) أراها ( بالبناء للمجهول ) : أظنها . وأرث النار : أوقدها وأذكاها . والوقود هنا : ما استطار من لهب النار . والجزع : منعطف الوادي ، حيث تكون له سعة تنبت الشجر . والشيح : نبات طيب الريح ، مر الطعم ، منابته القيعان والرياض ، ترعاه الخيل . والغرقد : شجر عظام له شوك ، من العضاه . يقول له : إن النار التي أو قدت من قبل نجد ديار جرير ، فهناك منبت الشيح والغرقد . ويأتي بعد هذا البيت ، البيت الثاني من رواية ابن سلام ، وبها يتم المعنى . يقول له : أحب ثرى بلادي ، ولكن لي بالغور حاجة في ماوية ، فغار بي الهوى وأبحد !